حيدر حب الله

36

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

الاجتهادية لفقهاء الشيعة عصر الحضور ، معزّزا مقولته بالبعد المكاني عن المعصوم نفسه من جهة ، وما تؤكّده الشواهد التاريخية من ظواهر تحتاج بدورها إلى فعل اجتهادي دقيق مثل ظاهرة تعارض الأحاديث التي كشفت عنها النصوص والأسئلة التي كان يثيرها أصحاب الأئمة عليهم السّلام فيما يخصّ ما يردهم من الحديثين المختلفين وفق الاصطلاح القديم ، أو المتعارضين وفق الاصطلاح الأكثر رواجا في الحقبة المتأخّرة . إنّ حضور المعصوم عليه السّلام ، لا يلغي الحاجة إلى الاجتهاد أو تأسيس مناهجه ، وذلك لعناصر « 1 » : أوّلا : إنّ حضور المعصوم عليه السّلام لا يعني إمكانيّة الوصول إليه على الدوام ، وعلى اليسر والسهولة ، سيما في تلك الأعصار ، فلم يكن المجتمع الشيعي كتلة بشريّة واحدة تجمعها جغرافيا محدّدة ، تفرض عليها تواصلا من الدرجة الأولى ، بما يزيل الاختلافات أو الفوارق أو المصاعب ، فالبعد المكاني له دوره الواضح في هذا الموضوع ، فعند ما يكون الإمام عليه السّلام في المدينة المنوّرة ، فيما ينتشر الشيعة في بلاد العراق وقم والري وخراسان ومناطق أخرى . . فليس من المنطقي افتراض بساطة في هذا التباعد ، إنّه يخلق قطيعة بدرجة أو بأخرى بين ما يمكننا تسميته المجتمعات الشيعيّة ، وليس المجتمع الشيعي ، فليست تلك الأزمنة مشابهة لعصرنا هذا ، في مظاهر التطوّر في وسائل الاتصال بما بات يعرف أيضا بعصر انفجار المعلومات ، لقد غدا العالم اليوم قرية كونية واحدة بفعل قوى الدمج الإعلامية والاقتصادية فتقاربت المظاهر السلوكية وغيرها ، وغدا التواصل أمرا أكثر يسرا وسهولة ، إن تلك الأزمنة تمثّل أزمنة سيطرة الجغرافيا وفرضها أنواعا من القطيعة - بدرجة أو بأخرى - بين الشعوب والأمم ، رغم أنّنا لا ننكر مظاهر الاتصال والوحدة . وهذا معناه ، أنّ الكيان الشيعي لم يكن على تواصل دائم مع المعصوم عليه السّلام لكي يتمّ عبر هذا التواصل تفادي الإشكاليات اليومية الحادثة أو الجواب عمّا بات يعرف عند أهل السنّة بفقه النوازل ، ونتيجة ذلك ، أن تظهر تلقائيا مرجعيات بديلة - طوليا لا عرضيا -

--> ( 1 ) - ذهب إلى وجود الاجتهاد عصر الحضور عدد من الباحثين فراجع : النص والاجتهاد ، عبد الحسين شرف الدين ، مقدّمة السيد صدر الدين شرف الدين : 71 ، حيث رأى أن الاجتهاد كان عصر الرسالة أيضا ؛ وممن ذهب مثل قوله الشيخ علي كاشف الغطاء ، كتاب أدوار علم الفقه وأطواره : 15 - 16 ؛ والشيخ إبراهيم الجنّاتي ، أدوار اجتهاد : 43 - 46 ؛ وذهب إلى وجود الاجتهاد عصر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم السيد الخوئي في التنقيح ، الاجتهاد والتقليد : 87 - 88 ؛ وإلى وجوده عصر الأئمة عليهم السّلام الإمام الخميني في الاجتهاد والتقليد : 70 - 78 ؛ وحسين مدرسي طباطبائي ، مقدّمة بر فقه شيعه : 30 - 37 ؛ وله أيضا : زمين در فقه إسلامي 1 : 37 - 45 ؛ والشيخ حسين علي منتظري . دراسات في ولاية الفقيه 2 : 87 : وعلي الفاضل القائيني النجفي ، علم الأصول تاريخيا وتطوّرا : 29 - 35 ؛ ومهدي عليپور ، درآمدي به تاريخ علم أصول : 47 - 59 ؛ وعدنان فرحان ، حركة الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة : 217 - 240 .